محمد أبو زهرة
1772
زهرة التفاسير
فيها ، ولا شر يتحكم ولا مغالبة ، بل اطمئنان وهدوء ، وسرور مستمر ، لمن ينالون جنتها ويبعدهم الله تعالى عن جحيمها ، وهي مع ذلك أكلها دائم ، ونعيم مقيم ، ورضوان من الله أكبر ، وإن أعمال الخير في الدنيا ، والجهاد في سبيل الحق ، هي السبيل لنيل ما في الآخرة من خير وجنات تجرى من تحتها الأنهار ، ومن عمل عملا صالحا نال جزاءه موفورا ، ولذا قال سبحانه وتعالى : وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا الفتيل : هو الخيط الدقيق الذي يكون في شق نواة التمر ، وهو يضرب مثلا للقلة والتفاهة . والمعنى : إنه إذا كانت الآخرة خيرا من الدنيا وأبقى من متاعها ، فإن طريق الآخرة هو الجهاد في سبيل الله ، والقيام بطاعته ، وإنكم ستنالون الجزاء الأوفى ، ولا ينقص من أحد منكم أي قدر من جزائه ، ولو كان قدرا ضئيلا لا تأبهون له في دنياكم ، فإذا كان حرصكم هو الذي جعلكم تخشون القتال ، وترجئونه ، فإنه يجب أن يكون حرصكم كبيرا على ما هو أغلى وأعظم ، وما هو مؤكد لا احتمال فيه ، ولقد كان حرصهم وخوفهم من القتال ؛ لأنهم يريدون الحياة ويخافون الموت ، فبين لهم سبحانه أن الموت آت لا محالة ، وأنه لا حق بهم أينما يكونوا : أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ البروج جمع برج ، وهو يطلق على الحصن المنيع ، ويطلق على القصر العالي الذي لا يصل إليه أحد ، ويبنى للملوك والكبراء لكيلا تصل إليهم الرعايا . مشيدة : أحكم بناؤها ، وارتفعت ، أو بنيت بالشيد ، وهو الملاط القوى الذي تربط به اللبنات بعضها ببعض . ولقد قال طرفة بن العبد : كأنها برج رومى تكنفها * بان بشيد وآجر وأحجار ومعنى النص : إن كنتم تريدون بقعودكم عن الجهاد وطلب إرجائه أن ترجئوا الموت أو تطيلوا الحياة ، فقد أخطأتم ، فإنه حيثما كنتم يدرككم الموت ولو كنتم في أقوى الحصون ، وأمنعها ، وأحكمها بناء .